نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

الفلسفة السياسية في ”الالياذة والاوديسة لهوميروس”

الفلسفة السياسية في ”الالياذة والاوديسة لهوميروس”
2020-10-23 21:48:54
"حبيبتي.. التي تفخر الأرض بأن تحملها.. ويفخر الهواء بأن تستنشقه.. والسماء بأن تُظللها وتُشرف عليها والجبل بأن تنظر إليه.. والبحر بأنه يغسل قدميها المعبودتين." أجمل ما فى دراسة الأدب أنه متعدد الصنوف والألوان، ثم أنه بأشكاله المتعددة يمتد ويرتبط بجميع مَنَاحِي الحياة. واليوم أعرض بهذا المقال الترابط بين الأدب متمثل فى الإلياذة والأوديسة والفلسفة السياسية لكبار الفلاسفة والباحثين السياسيين. وقد وجدت أنه من المقلق للغاية أننا لانسعى لتعليم العامة ولا قادتنا على فنون السياسة والمواطنة. في الحقيقة، إنها حقيقة مدهشة للحياة الحديثة أن لا جهد بُذل من جانب المؤسسات العامة لتعليم السياسيين فنون القيادة. لا توجد فرص لإعداد الناس للدخول إلى السياسات العملية. الأحزاب السياسية أحيانا تقدم بعض التدريب للمرشحين قبل الأنتخابات، وعادة يقدّم المشرعون تدريباً أساسياً للمشرعين المنتخبين الجدد، ولكن لا توجد مؤسسة قائمة تزود التدريب والتوجيه للناس الذين يطمحون للدخول إلى السياسة. الديمقراطيات تثق بالهواة لإدارة معظم المنظمات المعقدة في المجتمعات الحديثة، هؤلاء يديرون أكبر الميزانيات ويتخذون القرارات منخرطين بكل شيء من القواعد القانونية حتى التفاصيل التنظيمية. بعد فوز أوديسيوس بالحرب إلتقى وجنوده بعملاق ذي عين واحدة ففقأ أوديسيوس عينه وجعله أعمى بعد أن أكل العملاق مجموعة من رجال أوديسوس وكان ذاك العملاق ابن اله البحر بوسيدون فغضب منه بوسيدون فعاقبه بأن تاه في البحر عشر سنين لاقى فيها أهوالا كثيرة. ذكرت قصته في حرب طروادة في ملحمة الإلياذة لهوميروس كما أنه بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس أيضا. كتب أرسطو ان "المواطن كالبحّار عضو في جماعة". للبحّارة الآن وظائف مختلفة، أحدهم مُجدف، الثاني ملاح والثالث مراقب. أراد أن يعرف إن كان بالإمكان تعليم الحكمة والفضيلة.ذلك أنهم جميعا لديهم هدف مشترك وهو "سلامة الإبحار". يستخدم أرسطو مصطلح "فضيلة" بمعنى "التميّزexcellence في أداء الوظيفة". ما يجعل المجدف ممتازاً هو القوة والمهارة في إستخدام المجاديف. أما الملاح فهو بارع في الإبحار...وهكذا باقى المهن. في هذا السياق لا يهم كثيرا ما اذا كان المجدفون أُناس جيدين بمقدار ما ينصب الإهتمام على مهارتهم وقدرتهم . إن طيبة المجدف حفّزت أوديسوس ليختار أهون الشرين وأقلهم خسارة (بين الوقوع في فخ وحش عملاق قد يلتهم السفينة كلها أو الغوص الرهيب في تيارات بحرية هائلة). بعد وقت قصير من الهروب من المأزق الخطير، هم رفضوا قراره في تجنّب الاغواء اللذيذ لجزيرة هيلوس. عندما تمرد Eurylochos وهو الشخص الثاني في سلّم القيادة وقاد المجدفون إلى الجزيرة، قال اوديسوس "أنا يجب أن أستخدم القوة. أنا واحد ضد الكثرة". لكن هوميروس أراد التأكيد على أهمية نتائج عدم طاعتهم. بعد أن تناول المجدفون طعام هيلوس تحطمت سفينتهم ولم ينج إلا اوديسوس. كان أوديسوس قائداً جيداً لأنه دائماً يضع طاقمه في أولى إهتماماته ولم ينسحب أبداً من الخطر حرصاً على سلامته الذاتية. كذلك، هو جعلهم أفضل بحارة. المأزق الاكثر صعوبة هو في التضحية بالقلة لأجل سلامة الكثرة، غير ان المقدرة على عمل هكذا تضحية تعتمد على سياسة وفكرة الصالح العام والمقدرة على ترسيخها عبر تكوين التميّز. هل نستطيع غرس المقدرة على الخير في كل من الناس والحكام؟ "الشجاعة لا تُغني في موقف الموت شيئا" أرسطو عُين من قبل فيليب الثاني مدرساً لإبنه الإسكندر، وأهتم بالبحث عن إجابة السؤال "هل يمكن تعليم الفضيلة؟" الإسكندر الذي يطمح للمجد سماها "الشجاعة". أرسطو يوضح أن الحاجة للشجاعة هي جبن، بينما زيادة الشجاعة هي طيش. في البدء الإسكندر يسخر من أستاذه ويرى أرسطو أن الفضائل تعزز بعضها البعض. أرسطو أدرك ان تلميذه الشاب كان تافهاً وقاسياً. بدون شهامة هو لا يستطيع أن يطور شجاعة مدنية لأن هذا يتطلب شخصية وحكم من النوع الذي يسميه أرسطو "الحكمة العملية" والتي هي مقدرة الفرد على التشاور جيدا حول ما هو جيد وملائم وموصل عموما الى حياة جيدة). الحكمة العملية يعتبرها أرسطو فضيلة الفضائل، بدون حكمة عملية فإن شخصاً مثل الإسكندر ربما لديه تميّز عملي كالمهارة في القتال لكنه تنقصه الشخصية والحكم في إظهار الشهامة تجاه أولئك المنهزمين أمامه. هذا سيجعله جنديا باسلاً لكنه شخص مرعب، وهكذا سيكون حاكماً فقيراً. "فضيلة الحاكم تختلف عن فضيلة المواطن".وهما ليستا متساويتين في القيمة. كيف يمكن للمرء اكتساب الحكمة العملية؟ جواب ارسطو انه: عبر ممارسة الإعتدال في كل شيء. ذلك كما يبدو ليس أمراً سهلاً، أولاً الصعوبة في إيجاد طريق الوسط الذهبي أو عدم التطرف. فعلى سبيل المثال السفينة التي تبحر في ممر ضيق ربما تنحرف كثيراً تجاه أحد الجوانب، فلا توجد هناك طريقة حسابية يمكن أن يتعلمها الملاح ليجد أفضل مسار في ظل الظروف المتغيرة للمد والرياح والطقس، لكن الملاح يمكن أن يتعلم من خلال الممارسة والتدريب مع أحسن الخبراء كيفية إيجاد المتوسط في الظروف المتغيرة. هذا يفسر لماذا المعلمون هم الأكثر أهمية. يقول أرسطو أن خلاص الجماعة هو المهمة المشتركة للمواطنين فالقبطان يجب أن يقود السفينة بأمان إلى الميناء، وكذلك الحاكم يجب أن يمتلك الحكمة والفضيلة لكي يتجاوز وجهات النظر الخاصة بالمواطنين ويركز على الصالح العام. فكرة أن الحاكم يجب أن يكون أكثر حكمة وأكثر فضيلة من المواطنين العاديين هي فكرة غريبة عن فهمنا للسياسة، نحن لا نعتبر المسؤولين المنتخبين كمثال للمواطنين. غرابة رؤية أرسطو عن فضيلة الحكام يجب أن تدفعنا للتساؤل لماذا أصبح السياسيون أقل قيمة في نظرنا. أدرك أرسطو أن الديمقراطية تستلزم المشاركة المباشرة للمواطنين في الإدارة العامة. أحد الاسباب لعدم تدريب السياسيين هو الإعتقاد بأن السياسة يمكن تعلّمها و ليس تعليمها – أي أن التعليم يحدث أثناء الوظيفة وليس من قراءة الكتب المنهجية والدراسة. بالتأكيد السياسة كأي ممارسة، تُكتسب من خلال التجربة ولكن هناك العديد من الممارسات التي تُعلّم أيضا. بما في ذلك عمل القوانين والتحليلات التشريعية والموازنات والتقديرات، فواتير النقود، إجراءات وقواعد برلمانية، عمل اللجان، عمل التكتلات، الأدوار والمكاتب، الإتصالات السياسية، العلاقات مع الخدمة المدنية. تبرز هنا معارضة قوية وهي أنه حتى لو أمكن تعليم آلية السياسة، فليس من الواضح أن السياسيين الطموحين يمكن تعليمهم ليكونوا خيّرين. يجب الإعتراف أن الناس من غير المحتمل أن يتعلموا الفضيلة السياسية من مدارس السياسة ما لم يدخلوا على الأقل ومعهم إحساس بالخدمة العامة – بعض الناس يدخل السياسة لأسباب خاطئة، أو لفقدانهم الميول الحقيقية ليصبحوا ممارسين حكماء. ربما المعارضة الأكثر إشكالية التي يثيرها الناس هي أن السياسة غير أخلاقية وفاسدة في الصميم . مهما يظن المرء حول هذه الرؤية المتشائمة للسياسة، فإن التحدي في التعليم هو لإعداد السياسيين لعمل أحكام حكيمة في ظل ظروف غامضة أخلاقيا. اليونانيون القدماء فهموا أن غرس الفضائل ضروري للحكام الجيدين والمواطنين في الدفاع ضد تضخم الذات والتلهف للسلطة والديماغوجية الإنتهازية. نحن حتى وقت متأخر كنا أقل إهتماما بهذا الخطر. طالما الدفاع عن مؤسساتنا هو بأيدي موظفي الخدمة المدنية والحكام، ألا يجب أن نعتني بتعزيز شخصياتهم وأحكامهم؟! إذا كان الجواب نعم، عندئذ فإن تدريب السياسيين هو ليس سوى عمل نخبوي. الديمقراطية لكي تعمل جيداً، يجب على المواطنين إمتلاك فضائل مدنية. ذلك يفسر لماذا نحتاج إلى بعضنا لنكون فضلاء. على أقل تقدير، الديمقراطية تتطلب مواطنين ذوي شجاعة ليكونوا مدافعين موثوقين عن المؤسسات الديمقراطية. ذلك النوع من الشجاعة لايبرز تلقائياً إنه يجب أن يُغرس. إذا أردنا إعداد المواطنين للحياة العامة يجب أن نذهب إلى ما وراء المدارس القديمة للتعليم المدني. إعداد الناس للديمقراطية يجب أن يكون في قلب الرسالة التعليمية للمؤسسات والمدارس العامة. التعليم يجب أن يستلزم ترويض وتعويد الممارسين الطموحين ليشعروا ويتشاوروا ويحكموا ويعملوا في خدمة الصالح العام، يجب أن يزرع فضيلة مدنية عبر تهيئة الفرص وغرس المعرفة والمهارة والتحفيز ليكونوا مواطنين جيدين ورجال دولة، و يجب الحفاظ على فكرة أن السياسة فعالية نبيلة. فحين إنتشر خبراء في البلاغة ، الذين يطلق عليهم السفسطيون ، في أثينا. أصدروا تعليمات لمن دفع لهم في فن إقناع الآخرين ، الأمر الذي يعتبر إستثمارًا لكسب النفوذ. أظهر كل من سقراط وأفلاطون رفضهما التام قبل هذا المفهوم للفلسفة على أساس النسبية ، لأنهما أدركا أن الحقيقة لم تتغير حسب من دفع ثمن الدفاع عن مصالح معينة. ولذلك رأى أرسطو وضع سلسلة من القواعد لجعل الديمقراطية مثالية قدر الإمكان ، وتجنب مخاطر الفساد والخيانة البلاغية.مجتمع أفلاطون المثالي كان يتكون من الحكام والجنود والجماهير. جميع هذه الأصناف ضمن المجتمع صُممت في عمر الشباب لتلعب دوراً إجتماعيا يساهم إيجابياً في تحسين الميدان الإجتماعي .برز أفلاطون كواحد من أهم المنظرين السياسيين الموهوبين إن لم يكن أحسنهم. أعترف بأن الفرد لا يستطيع البقاء بمفرده وأن جميع الناس يعتمدون على بعضهم لكي يعيشوا حياتهم. فكرته عن الجماعة المنظمة كانت محط إهتمام العديد من النقاشات في الفلسفة السياسية وكانت نقطة الإنطلاق التي بواسطتها خلق العديد من الفلاسفة السياسيين بيئتهم الإجتماعية المثالية. الفرق الواضح بين تصوري توماس هوبز ،الفيلسوف السياسي للقرن السابع عشر، وأفلاطون للحكام هو أن حاكم أفلاطون سيكون مختاراً طبيعياً بسبب حكمته المتأصلة، بمعنى أخر، حاكم أفلاطون يولد حكيماً وقصد به أن يكون في موقع الحاكم، أما حاكم هوبز هو أحد المواطنين يتم إختياره ويُعترف به كحاكم مطلق في ميثاق المجتمع. الكس دي توكفيل Alexis De Tocqueville هو فيلسوف سياسي بارع في القرن التاسع عشر بدلا من دراسة الناس في دولة الطبيعة البسيطة، كما فعل أفلاطون وهوبز، ركز توكفيل على الحاضر وعلى البناء السياسي الأفضل للناس في المجتمعات القائمة سلفاً. هذه الطريقة في بناء فلسفة سياسية كانت مختلفة عن طريقة هوبز وأفلاطون، مع ذلك أنها كانت فعالة في تحليل ومعرفة نوع البناء الإجتماعي الذي يساهم في تحقيق الصالح العام للأفراد ضمن مجتمع معين. ما أدهشه كثيراً هو إشتراك الناس حتى أولئك المنحدرين من الطبقة الفقيرة في رسم القواعد والقوانين التي تستطيع الحكومة تمريرها. هذا كان واضحاً في النظام القضائي الأمريكي حيث كل فرد كان قادراً على أن يكون قاضياً ويقرر مصير الأفراد الأخرين. ومن الأشياء الأخرى التي ذهل بها توكفيل هي السهولة التي يصوت بها المواطنون الأمريكيون عن آرائهم. رغم أفكارهم، هم أكثر رغبة في إتباع القواعد والقوانين التي تضعها الأمة، حتى لو لم تكن منسجمة مع فلسفتهم السياسية والإقتصادية والإجتماعية المعينة. هنا ربما يبرز تشابه آخر مع جمهورية أفلاطون حينما يوجه توكفيل إنتباهه للكيفية التي يعمل بها الناس في أمريكا مع بعضهم في محاولة بناء جماعة قوية: بدلا من القتال فيما بينهم لأجل البقاء، هم واعون بأهمية إعتمادهم على بعضهم. شخص واحد لا يستطيع تمرير القوانين في أمريكا، تصويت الغالبية مطلوب لكي تمرر القوانين والحوكمة، والتي ستكون لمصلحة الخير العام وليس فقط للفرد. توكفيل أستكشف الخير العام لأمريكا وكان قادراً على التشخيص الدقيق لسبب إستمرارية التقدم في النظام السياسي الأمريكي في مثل هكذا إطار ديمقراطي بدون أي إنفجارات فوضوية كبيرة. بعد شرحه للشعب وللنظام السياسي، أصبح إستنتاجه واضحاً: الناس الذين جاؤوا إلى أمريكا جاؤوا من مختلف الأصول وإجتمعوا إلى بعضهم بحثاً عن الخير العام. الخير العام في عقلية أمريكا كان الإستقلال، والإستقلال يوجد فقط وكلياً في المجتمع الديمقراطي. الناس الذين قدموا إلى أمريكا جاؤوا من أماكن القمع وأنظمة الحكم الملكية وكانوا يخشون جدا من هكذا حكم. مع الآباء المؤسسون لأمريكا الجميع متفقون أنهم أرادوا نظاماً آمنا يمنع أي نوع من الملكية، وهو ما قاد إلى تجسيد الخير العام لجميع المواطنين. ما هو واضح في الفكر السياسي لهؤلاء الفلاسفة هو البحث عن الدولة التامة. هم يشتركون في نفس الهدف وهو البحث عن الحل النهائي الذي يحل المأزق الذي تواجهه دولهم: وبالنهاية، هم كانوا يبحثون عن الفلسفة السياسية التي تلبي طموحات الخير العام. ما يميز بينهم من حيث الجوهر هو الطريقة التي اعتمدوها في محاولة الوصول إلى تيلولوجيا سياسية وإجتماعية. "دع الغيد يُفاخرن بالقلائد والعقود، وتعالَ إلينا نعد ما في أجسامنا من ضربات السيوف، ووخزات الرماح، ومواقع السهام، فهذه أعز مفاخر الرجال يا أخيل"
أُضيفت في: 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الموافق 6 ربيع أول 1442
منذ: 1 شهر, 18 ساعات, 31 دقائق, 39 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

61065