نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

جدتى ووناسة الكوليرارونا

جدتى ووناسة الكوليرارونا
2020-05-17 22:56:58

بقلم هاني داوود

كانت ليلة من ليالى الشتاء الباردة ..
كنت وقتها لازلت طفلاً فى السادسة من عمرى ..
ضمتنى جدتى إلى صدرها وغطتنى ببطانية من صوف الجمال الخشن وكانوا يسمونها الحِرام كان هذا الغطاء خشنا لكنه يشع دفئا وكأنك أمام نار المدفأة، زاد إحساسى بالدفء حنان جدتى وعطفها،هدأت أرتعاشاتى من البرد وأحسست بالأمان والراحة وجدتى تمسح على شعرى وجسدى وهى تتمتم بأيات من سور القرأن الكريم كان هذا يشعرنى بهدوء وسكينة رهيبة وإحساس لايوصف باطمئنان عجيب ..
رفعت رأسى ونظرت إلى جدتى قائلاً :
ـ أحك لى حكاية ياجدتى من حكاياتك زمان ـ كنت دوما أشتاق لحكايات جدتى عن حياتها وذكرياتها ومامر بها من أحداث وكنت أستمتع بذلك ربما لأنها كانت تحكى بطريقة جذابه ومقنعة وتجعلنى أعيش فى الخيال معها وكاننى أشاهد كل الأحداث أمامى من خلال صندوق سحرى أو بنورة عجيبة ـ أبتسمت جدتى حتى لاحت لى ملامح لثتها الحمراء التى خلت من كل الأسنان بعد أن خلعت طاقم أسنانها ووضعته فى كوب من الماء بجوار سريرها ليبقى رطباً حتى الصباح وقالت :
ـ زمان وفى الأربعينات وبالتحديد 1947أنتشر وباء الكوليرا
ـ مامعنى وباء الكوليرا يا جدتى ؟
ـ هو مرض ينتشر بسرعة رهيبة بين الناس ويقتلهم
ـ وماسببه ؟
ـ يكون من شرب ماء غير نظيف أو تناول خضر وفاكهة غير مغسوله بطريقة جيدة كان المريض يتقيأ بشده ويعانى من الأسهال الشديد وإن لم يعالج بسرعة يحدث له جفاف ويصفر لونه وتتشنج عضلاته فيصير كشبح أو عود من نبتة إصفر لونها وجفت على الأرض وماتت ..
كان المرض مرعباً وكانت الحكومه تمنع الشرب من القلل والأوانى الفخاريه على الطرقات العامة وتأمر بتطهير الخضر والفاكهة بالمطهرات قبل بيعها للناس وترش البيوت والشوارع كما كان الجميع يتسابق للحصول على المصل
ـ يااااه ياجدتى وأنت ألم تخافى على نفسك وعلى أولادك ؟
ـ طبعا يابنى كنا فى رعب وكنا نغسل الخضر والفاكهة بالبرمنجانات والمطهرات وندعو الله ان يكفنا شر هذا الوباء القاتل ولكن رغم شعورى بالرعب من هذا الموت المحدق إلا أننى كنت أرى مايحدث نعمة كبيرة من الله بل وخير جم ،أعم وغير محدود .
ـ خير ؟ كيف يكون خيرا ياجدتى وأنتم عرضة للموت فى أى لحظة
ـ طبعا ياولدى خير لأن إحساس الإنسان بدنو هلاكه وبأنه قد يموت فى أية لحظة يقربه إلى الله طمعا فى النجاة مما هو فيه فيعلن توبته ويعود إلى الله طائعاً طامعاً فى العفو والمغفرة،وخوفه من عقاب الله سبحانه وتعالى عليه وعلى كل من يحبهم يجعلة يتذكر ذنوبه وحقوق عباد الله سبحانه وتعالى عليه فيندم عما فعل ويتوب ويسعى لخاتمة طيبه ليلقى الله عز وجل وقد تطهر .
كل الناس فى هذا الوقت ياولدى طباعها تغيرت أصبحت اكثر شفافية ورحمة كان كل منهم يسعى لينال السماح والعفو من الأخر،أكتظت المساجد والكنائس بالمصلين وألهج لسان كل منهم بالدعاء وعيونهم امتلات بالدموع وأحرالبكاء.
الأغنياء صاروا أشد كرماً وأجزل عطاء والفقراء نسوا كل كراهيتهم وغلهم وحسدهم للأغنياء،الزوجة عادت تحنو على زوجها تطلب عفوه وتستجدى رضاه والأبناء صاروا أكثر براً وعطفا ورحمة بأبائهم وأمهاتهم،الجار يحنو على جاره والأخ يسأل عن أخيه تغيرت الدنيا كلها وقتها ياولدى البشر صاروا يقلدون الملائكة والشياطين باتت تهرب من أمامهم خوفا ويأسا منهم بعد أن تحصنوا بدروع القرأن وأسوار الأيمان وأمتلكوا سلاح اليقين .
نظرت إلى جدتى فوجدتنى أحدق فى سقف الغرفة المضاءة بنور خافت ينبعث من مصباح صغير جداً أسمه "الوناسة"
بعد هذه الحكاية لم يكن هذا المصباح فقط هو الوناسة بل صارت بداخلى وناسة أخرى أضاءتها جدتى بحكايتها تلك.
وبعد مرور كل هذه السنوات يشاء رب العباد أن أمر أنا بما مرت به يوماً جدتى رحمها الله ولكنه بشكل أخر ربما يكون أكثر شدة فى أختبارة وأشد خيراً فى أخرته وتذكرت البشر قبل هذا الإبتلاء وبعده أطفالاً وشباباً وشيوخ وسألت نفسى :
ـ لماذا يطفىء كلا منا مابداخلة من وناسة أشعلها تاريخ من عاش قبله نصحاً وأرشاداً وهدياً وعظة ؟؟
وقلت لنفسى عادت وناسة "أم صلاح " التى أضاءتها داخلى ـ بحكايتها لى وأنا طفل صغيرـ تضىء مرة أخرى ولكنها صارت الأن أشد قوة وضوءاً تضاعفت قوتها بداخلى لتصبح بدلاً من وناسة الكوليرا وناسة أشد وأقوى أسمها "وناسة الكلوريرارونا ".

أُضيفت في: 17 مايو (أيار) 2020 الموافق 24 رمضان 1441
منذ: 14 أيام, 22 ساعات, 6 دقائق, 33 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

57575