نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

قيصــر الأدب يكتــب *تلاقح الحضــارات * بقلم د. طــارق رضــوان

قيصــر الأدب يكتــب  *تلاقح الحضــارات *  بقلم د. طــارق رضــوان
2019-12-07 09:39:47

 

"ابن بطوطة وحي بن يقظان والأوديسا وجلجامش ورسالة الغفران وأبو زيد الهلالي"

قد تكون صانع للأدب فى حياتك اليومية، دون أن تدرى، اذا ما وثقت ما يمر بك من مواقف حياتية. هكذا أدب الرحلات:

يعتبر أدب الرحلات واحداً من أجمل أنواع الآداب، إذ انه يعكس ويوثق كل ما صادف الرحالة عبر رحلاته كلها، حيث إن الكاتب أو الرحالة ينقل كل ما رآه خلال رحلاته ويصف الأماكن التي زارها كلها ويصف عادات الشعوب وأهلها وينقل كل المواقف التي تعرض لها خلال رحلته أو رحلاته التي قام بها خلال حياته.

تعد كتب الأدب الخاصة بالرحلات هي من المراجع الجغرافية كما انها مراجع تاريخية مهمة إذ أنها تصف وبشكل دقيق جداً التفاصيل التي عاشها وعاصرها الرحالة خلال سفره . ومن هنا أيضاً استمدت كتب الرحلات متعتها حيث أن كل من يقرأ كتب الرحلات يشعر بالمتعة الكبيرة وكأنه عاش في تلك المدينة في تلك الفترة، فهي بمثابة فيلم سينمائي مصور تصف بشكل دقيق كافة التفاصيل خاصة إن امتلك الكاتب أسلوباً أدبياً شيقاً في الكتابة.

نشط وانتشر هذا النوع من الآداب على أيدي المستكشفين والجغرافيين وغيرهم، والذين كان لديهم اهتمام كبير جداً في نقل كل ما عاشوه وعايشوه وعاصروه من أحداث ومواقف، وقد بالغوا في بعض الأحيان في وصفهم حتى وصلوا إلى درجة الخرافة في بعض الأحيان والأوقات.

ولا جدال أن قوالب الرحلة و أشكالها في تراثنا، تكاد تكافيء أو تطاول نظيراتها في الآداب الأوروبية في العصرين، القديم والوسيط. وقد ترك لنا (ابن جبير) و (ابن حوقل) وغيرهما من الأدباء نماذج رائدة في هذا المضمار، لكن ذروة هذا التطور, بناء و تصورا و تقنيات, كانت (تحفة النُظّار) رائعة (ابن بطوطة.

هناك مبدعون كبار حملوا راية أدب الرحلات منذ أحمد بن فضلان مرورا بالأشهر فى أدب الرحلات “ابن بطوطة”، وانتهاء بواحد من أهم رواد التنوير “رفاعة الطهطاوي”. لايزال المغاربة يهتمون بالرحلة إبداعا وتنظيرا ودراسة، ومن بين هؤلاء نذكر على سبيل المثال لا الحصر الباحث عبد النبي ذاكر والباحث عبد الرحيم مؤذن، بالاضافة إلى لفيف من المبدعين الذين يكتبون عن مشاهداتهم شرقا وغربا.

فمثلاً هناك السندباد الذي أشتهر عند العرب، وحي بن يقظان والأوديسا وجلجامش ورسالة الغفران وأبو زيد الهلالي وغيرها الكثير من الملاحم الأدبية، وقد صنفت هذه الحكايات الخيالية على أنها نوع من أنواع أدب الرحلات لأن البطل فيها هو الذي يذهب ويسافر ويتنقل ويرتحل من مكان إلى آخر.

فهذا المسمى الواسع (أدب الرحلات) كان قادرٌ على استيعاب أعمال ابن بطوطة، ماركو بولو، تشارلز داروين، أندريه جيد، أرنست همنجواي، ونجيب محفوظ، رغم التباين الكبير فيما بينهم؛ لأن الفكرة التي تجمعهم هي الرحلة نفسها، الرحلة الزمانية أو المكانية أو النفسية.

شهد هذا الأدب تراجعاً كبيراً على مستوى العالم وليس فقط في مكان محدد من العالم، ويرجع ذلك بدرجة أساسية إلى أن رحلات اليوم هي رحلات جاهزة كاملة تامة، حيث ان المسافرين اليوم لا يشعرون انهم أصلاً مسافرون، فالسفر متاح لجميع الناس وبدرجة كبيرة جداً، وهو أيضاً جاهز لا يوجد به أي نوع من أنواع الإبداع والفنون حيث ان المسافر يذهب مكان معين، ويجد كل شيء جاهز هناك، ومن ثم يبدأ بإنهاء بنود الجدول المخططة مسبقاً وكأنه في رحلة دبلوماسية ومن ثم يعود إلى بلده فلا يرى إلا ما أريد له أن يراه من أمور ومواقع مختلفة. وهذه الأمور أضعف بشكل كبير جداً أدب الرحلات. فهم يسافرون فقط لـتغيير الجو والتسوق.

لتصبح كتب أدب الرحلات من أهم المصادر التاريخية والجغرافية والاجتماعية حيث يجمع الكاتب كل الحقائق والمعلومات والمشاهد الحية والصور المباشرة للكثير من المتعة التي ينقلها للقارئ نفسه وهناك الكثير من كتاب أدب الرحلات الذين قد اشتهروا وأولهم الرحالة ابن بطوطة وأيضا ماركو بولو وتشارلز داروين ونجيب محفوظ، فكل هؤلاء الكتاب اجتمعوا على كتابة أدب الرحلات مع اختلاف الزمان والمكان، ومن هنا نقدم أفضل كتب أدب الرحلات والسفر.

كتاب تخليص الابريز في تلخيص باريز
وهو للمؤلف الكبير رفاعة رافع الطهطاوي الذي يعتبر من أشهر الكتاب في العالم العربي وقد كلف بالاشراف على بعثة الطلبة في فرنسا وقد قام بتأليف هذا الكتاب في أثناء رحلته في فرنسا فقد كتب كلمة في كتابة تلخيصا لكل ما عاش فيه من واقع حقيقي، واستطاع أن يوصف عاصمة الثقافة والخضارة باريس لينقل كل ما أعجبه خلال رحلته كما ينتقد كل ما لا يعجبه ليعقد مقارنة بين الثقافة المصرية والفرنسية في ذلك الوقت.

كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار
وهو للمؤلف المغربي الشهير الرحالة الأسطوري ابن بطوطة والذي قضى حوالي 30 عاما من عمره في السفر والترحال في كل دول ومدن العالم على الرغم من مشقته خلال سفره إلا أنه استطاع أن ينقل كل ما عاش فيه حتى أنه نقل أحول البلاد وملوكها وشعبها ونسائها، كما وصف الآثار والمعالم السياحية والأماكن والحضارات في ذلك الوقت، وقد اعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع اتاريخية على مر العصور واعتبر أيضا وثيقة تاريخية مهمة لجامعة كامبريدج وقد أنتج فيلم أمريكي يحكي عن ابن بطوطة ورحلاته في العالم.

كتاب العودة سائحا إلى كاليفورنيا
هذا الكتاب هو للكاتب السعودي الشهير غازي عبد الرحمن القصيبي والذي استطاع كتابه هذا أن يسترجع ذكرياته في كاليفورنيا والتي تركها قبل عشرين عاما، وقد عاد إليها في زيارة سياحية مع الأسرة، وقد استخدم الكاتب الأسلوب الساخر في عقد المقارنة بين المجتمع السعودي والأمريكي وقد حكى عن كل المشاهد التي رآها هناك من مميزات وعيوب.

كتاب اسطنبول الذكريات والمدينة
وهو للكاتب اورهان باموق والذي التقط بقلمه يومياته أثناء رحلته لاستكشاف اسطنبول ومدى الازدواجية التي طرأت عليه وهي ازدواجية الماضي والحاضر، ليذكر معالم الحضارة هناك ويصف السفن والموانئ وأحياء اسطنبول ليستشهد بها، كما ذكر ركام المدينة وبقايا القصور والحدائق التي تعتبر مراجع تاريخية.

تذكار الصبا ذكرى 19 مارس
وهو للكاتب محمد لطفي جمعة والذي استطاع أن يسرد هذا الكتاب عن فترة قد عاشهافي أوروبا ليصبح هذا الكتاب من أهم الشواهد على التجربة العاطفية والحسية التي عاشها أثناء قصة حبه مع الكاتبة والأديبة الروسية اوجستا كما نقل أيضا الآلام التي عاش فيها أثناء غربت، وقد نفى الكاتب أن يصنف هذا الكتاب كونه عملا ادبيا ولكنه اعتبر احساس وشعور بقصة حب.

كتاب رحلة إلى أوروبا
وهو للكاتب الصحفي اللبناني جرجي زيدان والذي نقل الأحوال العمرانية والحضارية في كلا من فرنسا وبريطانيا وسويسرا لينقلها ملامح هذه الدول من حيث الحكم والعمران والخرائط والمتاحف والمعارض والنظم التعليمية وثقافة المعاملات لينقلها للقارئ العربي بكل ما بها من مميزات وعيوب.

كتاب ذكريات في باريس
وهو للكاتب زكي مبارك والذي ينقل رحلة علمية قضاها في جامعة السوربون بباريس وقد قضى خمس سنوات هناك ليتعرف على الأدب الفرنسي الرفيع، وقد نقل كل فنون العاصمة الفرنسية وشوارعها والعادات والتقاليد والاحتفالات والعلم والبوهيمية.

ظلت الأسفار حتى أواسط القرن التاسع عشر نشاطا رجاليا، والحالات الاستثنائية القليلة الحاصلة في هذا المجال إنما هي شواذ تحفظ ولا يقاس عليها. في أواخر القرن التاسع عشر، الحقبة الذهبية لكتابات رحلات المغامرات، سافرت كل من إيزابيل بيرتون(1831-1896) وإيزابيلا بيرد (1831-1904) وآن بلونت(1867-1917) وغرترود بيل(1868-1926) عبر البلدان العربية. أما فرايا ستارك(1893-1993) الإنكليزية التي ولدت في باريس وترعرعت في إيطاليا فقد قامت بزيارات متكررة لبلدان الشرق الأدني بين 1928 و1983، واكتسبت شهرتها آنذاك كمصورة.

كانت المناسبات والبواعث الدافعة على السفر متنوعة. فإلى جانب المتحذلقات والمتمسكات بصرامة بالنمط السائد، نجد المغامرات الغريبات الطبع. زوجات متفانيات يرافقن أزواجهن الذين كانوا يتنقلون في مهمات بحوث أركيولوجية أو كدبلوماسيين أو مغامرين، بينما النساء اللاتي يسافرن لوحدهن فكن من الهاربات من سطوة التقاليد الاجتماعية الصارمة لأوروبا البرجوازية.

أما الحياة القصيرة لإيزابيل إيبرهارد(1877-1904) ابنة عائلة من نبلاء روسيا المهاجرة في جنيف، فقد كان لها من الأثر البديع ما جعل سيرتها توضع على الدوام مجددا موضع الشك. كانت إيزابيل إيبرهارد تتنقل متنكرة في زي رجل عبر الصحراء الجزائرية وتكتب أشعارا باللغة العربية، ثم ماتت غرقا وهي في السابعة والعشرين من عمرها على إثر فيضان في الصحراء. ولا تقل الليدي هيستر ستانهوب(1776-1839) غرابة وغموضا، هي التي كان بيتها اللبناني يجلب إليه الرحالين عبر بلاد المشرق من أمثال ألفونس لامرتين أو ألكسندر كينكلاك. وعلى قدر اختلاف الدوافع كانت طباع الرحالين هي أيضا كثيرة التنوع. ويتوزع سلوكهم بين الفضول المعرفي المنفتح والتعاطف من جهة، والغرور والعنصرية من الجهة الأخرى. وفي هذا المضمار أيضا لا تختلف السيدات الرحالات في شيء عن زملائهن من الرجال.

ويرجع تراجع النماذج الجيدة لهذا النوع الأدبي في الراهن العربي إلى جملة أسباب أهمها: كلفة السفر وصعوباته، فهذا الجنس الأدبي مرتبط بخبرة السفر و الترحال في الجوهر. فأخر أهم كتاب في أدب الرحلات كان كتاب (حول العالم في مائتي يوم) للراحل (أنيس منصور)، وهو الكتاب الذي ظهر عام 1963، في مسعى لرفع منسوب الأمل عند الشباب بنماذج الكفاح و المغامرة، وهو الكتاب الذي حاز على جائزة الدولة، وأشادت به منظمة اليونسكو، بوصفه نموذجا من أوسع نماذج الأدب انتشارا في المنطقة العربية. وحظيت مكتبة أدب الرحلات بتراكم إبداعي جيد، بالنظر إلى كتب أخرى مثل (سندباد عصري) لـ(حسين فوزي) وغيرها من النماذج الرائدة.

ان السبب الرئيس لغياب أدب الرحلات في مدونة السرد العربي الاّن، مقارنة بما كان سائدا من قبل في القرون السابقة ، يرجع إلى عامل بسيط ، يتمثل في غياب آليات الرحلة نفسها، فالتقدم الهائل في وسائل النقل ثم التكنولوجيا ألغيا الحافز من الاكتشاف الذي كان مبعثا أصيلا من قبل.

الا أن بعض النقاد يعتقدوا أنه لا يمكن أن يستغنى الإنسان عن ثقافة المشاهدة بالعين، حيث الشغف الخاص الذي يتضمن لذة الاكتشاف على أرض الواقع، والعيش داخل التجربة بنبضها وحيويتها، الوجود داخل المكان والزمان يجسد المشهد مكتملا لكافة حواس الإنسان، و لحكي تجربة الرحلة لذة تزداد حين يشارك المبدع القراء انطباعاته وأفكاره، وقراءته لهذا العالم الجديد حيث وصف مناظر طبيعية متنوعة، أو ثقافات وفنون مختلفة، وعادات وتقاليد لأنساق سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة بتنوع البلدان وجغرافيتها وثقافتها.

ربما أغنت الأفلام الوثائقية والتسجيلية التي تعرضها القنوات الفضائية ووسائط التواصل نسبيا عن هذه النوعية من شغف المشاهدة بالعين وأدب الرحلات، لكن يظل لكتاب أدب الرحلات ميزة الاستطرادات الفكرية، وما يطرحه الكاتب من انطباعات خاصة إنسانية لا تستطيع أن تؤديها الكاميرا مهما وصلت براعة المصور.

وهناك بعض المؤلفات المعاصرة يمكن أن تنتمى لأدب الرحلات وهي امتداد لتجارب أنيس منصور ومجموعة من الكتاب الآخرين مثل: “مسافر كنبة” لعمرو بدوي حول رحلة لإيران لمدة ثلاثة أسابيع، و في هذا الكتاب يرصد المؤلف الجانب الإنساني من حياة البشر في الشارع الإيراني، يحكي عن المسكوت عنه مثل ممارسة البعض للفنون التشكيلية سرا و بعيدا عن الأضواء

ندرة ذلك النوع من الأدب ترجع إلى صعوبته فهو يحتاج لحرفة الحكي إلي جانب حبكة قوية مع ملاحظة جيدة وتدوين دقيق للأماكن التى يتم الحديث عنها. وليس كل الكتاب أو الأدباء بقادرين على الجمع بين تلك الأمور. ومع الانتشار الهائل للرواية وكاتبيها وقارئيها فإن ذلك ساهم في ندرة تواجد أدب الرحلات وإن كان هناك بعض من الاسهامات القليلة في الآونة الأخيرة.

كما لم يعتبره النقاد ضمن التصنيفات الأدبية التي يعالجها النقد الأدبي، وتركوها عن عمد, باعتبارها كتبا تقوم بتقديم مادة علمية لعلماء الجغرافيا والاجتماع والتاريخ و الحضارات والاقتصاد والسياسة, ولذلك تراجع النقاد عن التدخل فيما يكتب عن موضوعات الرحلات والسفر. ومن هنا فقد كانت بادرة طيبة أن يخصص “اتحاد كتاب مصر”

أُضيفت في: 7 ديسمبر (كانون الأول) 2019 الموافق 9 ربيع آخر 1441
منذ: 1 شهر, 11 أيام, 18 ساعات, 7 دقائق, 6 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

52005