نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

أثر ”ألف ليلة وليلة” الشفوي فى أوروبا

أثر ”ألف ليلة وليلة” الشفوي فى أوروبا
2019-09-04 19:13:20

هل عرف الغرب حكايات شهرزاد قبل ترجمتها إلى اللغات الأوروبية؟ وهل كان لهذه الحكايات أثر في الأدب الأوروبي قبل القرن الثامن عشر؟

إنّ المتخصصين لا يستبعدون إمكانية تلقي الأوروبيين لحكايات "الليالي" قبل ظهور ترجمة غالان بعدّة قرون. ففي رأيهم، إنّ العدّيد من الحكايات الشرقية والعربية قد نقلت، بطريق الشفاه، إلى بقاع واسعة من أوروبا... وقد حدث ذلك في عصر كانت فيه أوروبا لا تكاد تعرف السفر إلاّ بقصد الحج إلى الأراضي المقدسة.

والواقع، إن انتقال مجموعة من حكايات "الليالي" إلى أوروبا عن طريق الرواية أمر طبيعي ،... فهي - قبل كل شيء- أدب شعبي، فيه من المرونة والحرية مايجعله يتحدّى الحدود الإقليمية، والخلاف الحربي والنزاع السياسي. وقد اعترف الباحثون أنّه "كلّما حدث اتصال بين الأدبين الشرقي والغربي، تمكن فيض التأثير الشرقي من أن يزيد في تيارات الأدب الشعبي الأوروبي قوة يستطيع بها أن يتحدى سلطان الآداب اللاتينية واليونانية تحدّياً موفقاً إلى حدٍّ ما....".

ولا يستبعد أن تكون الأندلس وصقيلية وجنوب إيطاليا، التي تمّ فيها اتصال مباشر بين العرب والمسيحيين قد عرفت حكايات من "الليالي"؛ فمن المعروف أن التراث العربي-الإسلامي انتقل إلى أوروبا. عبر هذه الجسور، وأخذ دوره هناك في حركة الإحياء التي بدأ بها تاريخ النهضة في أوروبا... يبدو أنّ "رحلات السندباد البحري" ترجمت إلى العبرية بعنوان "مشلية سندباد"... وقد ترجمت إلى اللاتينية ترجمة لا تزال محفوظة في العديد من المخطوطات...".

ومن المحتمل أن يكون الصليبيون قد سمعوا بعض حكايات "ألف ليلة وليلة" فحملوها معهم إلى أوطانهم وأفادوا منها....، ومن المحتمل أيضاً أن يكون الأوروبيون قد سمعوا هذه الحكايات نتيجة التبادل التجاري على مسرح البحر الأبيض المتوسط بين شواطئه الشمالية في أوروبا وشواطئه الجنوبية في العالم العربي - الإسلامي، إذ كانت أساطيل البندقية ولوكا وجنوة وبيزا دائمة الإبحار إلى سواحل سوريا والإسكندرية وتونس وآسيا الصغرى....

وفي الحقيقة، إنّ البحث في تأثيرات "الليالي" الشفوية في الأدب الأوروبي يحتاج إلى دراسات مستقلّة، لأنّ الأشكال الأدبيّة المتأثرة بالكتاب متعدّدة ولغاتها مختلفة (سعة الرقعة الزمانيّة والمكانية)، لهذا السبب سنكتفي بالإشارة إلى بعض الأعمال الأدبيّة المتأثرة بالحكايات، ونترك الباب الواسع مفتوحاً لدراسات أخرى تتناوله بالتنقيب والتمحيص والمقارنة....

ففي إسبانيا، تجسّد تأثير "الليالي" في عدّة أعمال أدبيّة، نذكر منها: حكاية "الفارس سيفار" ( Historia Del CAVALERO CEFAR ) التي ظهرت ما بين (12999و1325)، وحكاية "إنّما الحياة حلم"، ( LA VIDA ES SUENO )، للأديب الشهير كالديرون دولباركا، وحكاية "الفتاة تيودور" ( DONCELLA THE ODORE ). للكاتب لوبي دي فيكا.

أمّا في الأدب الإيطالي فنجد عدّة قصص متأثرة بـ"الليالي" تأثراً واضحاً: "قصّة إسطالفو" للأديب جفياني سركامبي، و"قصة جيكوندو" للأديب أرلاندو فرنسفو، ومجموعة "الديكاميرون" لبوكاشيو

(1315-1375).

ومن القصص الألمانية المستمدّة من الليالي: قصّة هرفيرز ميتز ( H. METZ ).وهي أنشودة فعال أنشئت في نهاية القرن الثاني عشر، وقصّة "الدوق إرنست" وقصّة "إيسلودة وإيسهاد"، وقصّة موريس فون كراون التي كتبت شعراً باللغة الألمانية الوسيطة...

وفي الأدب الإنجليزي يبدو أنّ قصة تشوسر ( CHAUCER ) المسماة "الفارس الغلام" متأثرة بـ "الف ليلةوليلة"، بل هي منتزعة من صميم هذه الحكايات... والمجال لا يزال مفتوحاً لمن يودّ أن يعقد مقارنات بين بعض مسرحيات شكسبير وحكايات شهرزاد، فمسرحية "العاصفة" لها مثيل في حكاية "جزيرة الكنوز". وهناك بعض التشابه بين مسرحية "تاجر البندقية" وحكاية "مسرور التاجر وزين".

وصفوة القول، إنّ الصلة بين "الليالي" والقصّة الأوروبية في القرون الوسطى وعصر النهضة، هي صلة وثيقة الوشائج... وممّا لا شك فيه أن تفرّساً متأنياً في هذا القصص الأوروبي المتأثر، من أجل وضعه في موضعه التاريخي في نشأة القصة الأوروبية، لينبئ بأنّ القصة الغربية ماكانت تقوم وتتطوّر لولا ذلك التفاعل الهائل بالثقافة العربية-الإسلامية، ومع ماحفظته واعية القرون الوسطى من أساطير وحكايات نقلت شفاهاً إلى المجتمعات الأوروبية التي كانت مؤهلة للإفادة من ذلك في خلق نماذجها الأدبية.

أُضيفت في: 4 سبتمبر (أيلول) 2019 الموافق 4 محرّم 1441
منذ: 4 شهور, 13 أيام, 5 ساعات, 21 دقائق, 6 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

47757