نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

السرد الروائي بين الخيال العلمي والواقع الإبداعي

السرد الروائي بين الخيال العلمي والواقع الإبداعي
2019-06-23 13:40:03
بقلم : المستشار صالح شرف الدين عضو شعبة النقد باتحاد كتاب مصر داروما
 
 
:عنوان جذّاب لكنه يأخذنا إلى قضية العناوين الأجنبية للأعمال الإبداعية ،وهي قضية يجب أن يحسمها النقد الموضوعي ،فإذا كان العنوان بلغة أجنبية الغرض منه التشويق وجذب الانتباه ،والرغبة في البيع ولا يعد عتبة رئيسة للعمل الأدبي ،فأحسب ذلك من مثالب العمل الأدبي ،وعليه وليس له ،ولايمكن أن نجد عملا أجنبيا عنوانه يعبر عن معنى أو ذات من غير اللغة القومية للبلد إلا ويكون هو محور العمل الأدبي والنواة التي تدور حولها الأحداث ،وعلى هذا الأساس بدأت القراءة الأولى للرواية ،وأسعدنا أن داروما هي تلك الدمية اليابانية التي تجلب الحظ ،وأن الرواية مهداة إلى داروما التي تتداخل مع العروسة اللعبة المصنوعة من القماش والتي تبدع البنات الصغيرات في عمل ملابس صغيرة لها ،وتلوينها ،وتحتل هذه الدمى مكانة نفسية لديهن ،ويتعلقن بها تعلقا شديدا : وعلى الغلاف الخلفي تقول الكاتبة عن داروما :"..أعرتها شعري وقلم حواجب أمي، وأحمر الشفاه الخاص بها وقطعة من فستاني القديم التي ما زالت ترتديه، وأهم من كل هذا أعرتها ..... وعدت أنا من دونهما.. كأني بعطرك أتنسم الحب، مع كل نفس من أنفاسي، مع كل نبضة حب، مع كل شهيق قبلة أخفيها، تترقب شفاهك العذبة حتى تلثمها عيوني، مع كل زفير أطرد إحساسا بالكره خطر على قلبي، أو مر على خاطري، طهّرتني من الآثام ومن الضغائن يا عمري، وبين كل همسة ونظرة لك ضمة أخفيها. وبين كل نظرة وارتخاءة رمش تولد ألف قصيدة حب نسجت في عشقك أنت وحدك. أحبك.. ثلاثة أحرف تنتظرك بين شغاف قلبي، ولواعج لساني، لتنعكس على صفحة عينيّ. فيقرأها وجهي وكل من حولي. فالحب والكراهية لا يجيدان التنكر ولا يخفيان على القلب البصير. فلقد فرشت قلبي رداء فهل قرأت مكتوبي؟ لم أكن أعلم أني قرينة داروما: " إذا سقطت داروما سبع مرات فإنها تقف ثمان".. - وعلى الغلاف الأمامي صورة للدمية اليابانية ،وغلبة اللون الأحمر . -أما الإهداء : إلى داروما: زنبقة الخيال وعروس الإرادة ،العنوان والإهداء والغلاف الخلفي والفصل التاسع عشر والأخير عنوانه :سر داروما -الذات الراوية ظهرت ملامحها متماهية مع داروما ،ومع البطلة الرئيسة (كرم أو سوسن الطرابيلي أويوري بالياباني) ، فذهبت إلى السيرة الذاتية للكاتبة لأتأكد من بعض ما وصلني من مضامين بعد القراءة الأولى ،ولجمع ما توحي به الأنساق غير المباشرة بين سطور الرواية : د عطيات أبوالعنين إعلامية وكاتبة بدأت النشر منذ خمسة عشر عاما ،ولها 35عملا إبداعيا منشورا حتى نهاية 2018م . ،لها ثلاث دراسات نفسية ،عضو اتحاد كتاب مصر ،ونادي القصة ،وجمعية الكاتبات المصريات ،ونادي أدب الجيزة ،ورئيس لجنة السرد باتحاد الكتاب ،وعضو لجنة الدراسات بالمجلس الأعلى للثقافة ،من أهم الجوائز التي نالتها :جائزة إحسان عبد القدوس ،جائزة قصور الثقافة ، نهاد شريف ،وعماد قطري ،الشئون المعنوية . هذا الاختصار الشديد للسيرة الذاتية يؤكد لنا أن الخبرة الحياتية ،وعمق التجارب الأدبية والثقافية دورا بارزا في هذه الرواية . -بين يدي الرواية :أب وأم وابنتان يسافرون إلى اليابان الأب يعمل هناك والابنتان تدرسان (سوسن ) و(نورهان) ،وبدأ الفرق واضحا من أول خطوة على أرض المطار ،النظام والعمل ،والالتزام ،والوعي ،وكانت الفرصة مواتية لمعلومات عن اليابان في غاية الأهمية ،ومعلومات عن الحضارة اليابانية ،والأساطير ،تتفوق سوسن وتدخل كلية الطب في اليابان ،وترتبط بعلاقة عاطفية بزميلها حاتم ،في إحدى الرحلات تصاب إصابة شديدة تجعلها مقعدة ،من جراء انهيارات الثلوج التي جرفت السيارة ،فتنقلب حياتها رأسا على عقب ،يتخلى عنها حاتم الذي صرح لها بحبه وأحبته بجنون ،يموت أبوها ،وتتزوج أختها الأصغر من رجل مستغل سكير ،وتموت أمها ،ويقف بجانبها أستاذ لها ،تواصل دراسة الطب حتى تتخرج في كلية الطب ،وتعود إلى مصر ،وتفشل عملية دقيقة تجريها ويخطيء طبيب التخدير فتصاب بشلل رباعي ،وتنجو من محاولة قتل قامت بها خادمة سابقة لها ،ورغم كل ذلك تتماسك وتواصل الحياة ،وتقدم خدمات متواصلة لمن يحتاجون العلاج وللفقراء ،وينجح طبيبها في زرع خلايا جذعية لها ،ويبتكر جهازا دقيقا يضعه في الدمية (داروما) والنبضات المنبعثة منه تبدأ في مداواة العضلات التالفة ،ووتعود المفاصل للعمل ،وتبدأ الحركة في معجزة علمية كبيرة . -امتد الزمان ونمت فيه الشخصيات ،وتعددت الأماكن ،وتفاعلت الشخصيات في الزمان والمكان ،وتشابكت الأحداث ،وجذبتنا الحبكة ،والصدق الإنفعالي والعمق الإنساني للرواية تقول على لسان البطلة : "..لأول مرة شعرت أني تغلبت على إعاقتي مع د. أمجد، أو أمجد كما أمرني أن أناديه.. انطلقت بكل طاقتي حتى كدت أنسى أنني لا أستطيع السير أو أنني أتحرك على مقعد متحرك حتى عندما ركب الجمل وعرض علي وافقت فأصر على إحضار هودج وحملوني ثلاثتهم هو وأمل والحادي الذي أخذ يهدّيء من روعي وبدا أن الجمل ترفق بحالتي، أو هكذا أمره صاحبه، فكان مطيعا في صعوده وهبوطه.. نسيت نفسي وآلامي وإعاقتي مع أمجد الطحاوي.. نسيت أنه أستاذي... لأول مرة أشعر أنه لا فرق بيني وبينه، وعاودني الأمل من جديد، ربما أشفى وأستطيع أن أعيش حياتي كأي فتاة. هل من الممكن أن أحب مرة أخرى، لكن الأهم من أن أحب هو أن أشعر بالحب في عيون الآخرين بدلا من الشفقة.. تذكرت ملاحظات "كوتو" هل بالفعل يحبني أمجد أم أنه يعطف علي لحالتي، ربما تعاطف معي لأنه عاش حالتي منذ البداية وكل الظروف التي مرت بي، لماذا نفسر دائما أي علاقة بين ذكر وأنثى على أنها حب فقط، هناك علاقات عديدة ومسميات مختلفة، يجب ألا أترك لخيالي العنان حتى يجرفني بعيدا عن الواقع الذي أعيشه وما أصعبه من واقع... كان أمجد الطحاوي عاملا مساعدا للنجاح في حياتي، فأحيانا نحتاج للدعم والقوة ليدفعنا إلى الأمام أكثر من الحب، وهيأت نفسي ألا أفسر اهتمامه واصطحابه لي في كل الأماكن بالقاهرة سوى تعاطف لحالتي." -الرواية تؤثر فينا تأثيرات مختلفة وفي خطوط متوازية ،اللغة الأقرب للرومانسية ،وتداخل السرد غير المباشر مع السرد المباشر ،والبراعة في استخدام اللغة بدقة لتصف وتوحي وتحلل ،ومعلوماتية بامتياز ، وأسطورية وأدب رعب في الغابة ،واجتماعية في مشاكل علاقات الأقارب ،وتحليل نفسي لمن فقد عضوا أو آكثر ،وخيال علمي في زرع الخلايا الجذعية ،وتلك النبضات التي تنطلق من (داروما )فتصلح العضلات والمفاصل ،وتبعث الحياة من جديد والأمل :تقول في ختام الرواية : "..نظرت لداروما شعرت أن ثمة تواصلا من نوع جديد من لحم ودم، نبضات تسري في كياني دعوت الله أن أتماسك، كتمت مشاعري وأحاسيسي، امتدت يدي إليها يدي تتحرك وساقي أيضا أستطيع أن أنزل بمفردي من على الفراش وأقف على الأرض أتحرك بضع حركات، لم أصدق نفسي انهرت على الفراش وأنا أجهش.." "..عندما كنت أتعثر بالشارع وأقع كنت أنظر إلى أقرب شخص بابتسام وأقول له: من فضلك دعني اتكئ عليك ، أتوكأ اليوم على : عكازي إيماني حب من حولي رغبتي في اكتشاف جمال الحياة، أتمنى أن يطول اليوم مئة ساعة . فاللون الأحمر يعود إلى خدي ذلك الأحمر الذي يروق لي.." -داروما اليابان ومصر والذات الراوية جعلت مساحات الأمل تنداح ،وأعطت مثالا ملهما لقوة الإرادة والصبر :تفقد حبيبها ،وتفقد القدرة على الحركة ،وتفقد الأب ،وتفقد الأمان في البيت ،وتفقد الأم ،وتصاب بالأسوأ: الشلل الرباعي ،وتتعرض لمحاولة قتل بالسم ،وتُتهم بالجنون ،ورغم كل هذا تصبر وتصمد وتساعد الناس ،وتجد ما تفعله ويسعدها ،وتستمر الحياة ولا تتوقف . -إن الغموض في العنوان الذي يفجأنا لأول وهلة لايلبث أن يتحول إلى وضوح ثم يتطور إلى بُعد ميتافيزيقي يتعلق بالأمل والتفاؤل ،ثم تتماهى داروما مع البطلة ،فلو سقطت داروما سبع مرات تقوم ثماني مرات ،وهو ما حدث مع البطلة بعد كل صدمة تقوم من جديد أكثر قوة وأكثر تمسكا بالأمل ،وهنا نعود إلى بداية الرواية وإلى اللغة الشاعرية التي أخذتنا إلى عوالم سحرية رومانسية تقول :" كفراولة حمراء غضّة، أطبقت على حبه، احتويته خوفا من ذبوله، فأزهر قلبا يانعا، تستعرّ فيه نيران رغبة متأجّجة، وانصهر الحبّ في بوتقة الحنان مانحا إيّاي قلبا متوهّجا موشّى بالحبّ مزركشا بالإخلاص. هاجت شفتاي وماجت واستبدّ بي الشوقّ، كحبّات كرز توهّج فؤادها بحمّى الحبّ، وارتعاشة الخوف من عذابات الهجر ولوعة الإشتياق، رحت أهذي بعدما سدّدت لي طعنات حبّك. يتردّد صوتك في فضاءات قلبي، تتشابك حواسّي فأستشعر نبضك وأستحضرك أمامي يقينا، تشدو بأهازيج العشق الورديّة، تتدفّق الدّماء في عروقي يتلبّسني بثورته فأشرق على الدنيا، يحتويني فأحتوي العالم، يشّع في حرارته، فأنشر الدفء على من حولي، تتقّد ذاكرتي تلمع عيناي.. تتوثّب حواسّي.. تشتعل في جوٍّ أسطوريّ حالم، تجوب موجاته ردهات ودروب قلبي الملكيّة، ومايسعدني حتما أن دروبه دوماً محميّة. لست أدري كيف فرضت سطوتك على كلّ دروبي وقاعات قلبي، هاجمت حصوني وقلاعي بحبّك وقد اصطفّ عليها الحرّاس يمنعون كلّ زائر غريب. بمجرّد أن تلوح لي تتألّق عيناي، تتوضأ في أحداقك، لنصلّي معا في محراب العشق الأبديّ، نردّد تسابيح وأوراد الخلود، فقط بين خلجات قلبي وخلاياي. أحببتك بصدق يوم أهديتني زهرة حمراء زرعتها في حديقة قلبك وظللت ترويها، يوم أن تفتّحت قرّرت أن تعترف لي بحبّك، عملت ليل نهار حتى نعيش معا، قرّرنا أن نتزوّج والتقينا في الرّبيع، يوم أن تفتّحت للحياة أوّل زهرة أهديتني إيّاها. من يومها لا تفارقني زهرتك، تصحو معي وتغفو على وسادتي. فالرّبيع يزهر برؤيتك، وتتفتّح زهرة قلبي فتمنحني السعادة بين يديك. يومها لم أنس أن أزيّن شعري بزهرة الحبّ، لم أنس أن أتناول عصير الفراولة الطازج الذي تناولناه معا في أوّل مرّة التقينا فيها، اخترت قميص نومي أحمر بلون ثمرتك المفضلة الفراولة، وانتظرت ذلك اليوم أن يأتي. كان بعيدا بل مستحيلا وأنا أتعثّر، بل تأبى الخطوات أن تتقّدم يقينا أنّي قرينة "داروما". هل كانت "داروما" تمثل لي الفأل والحظّ السّعيد كما يدّعون بلونها الأحمر الذي يجلب السعادة؟ أم أن الأحمر نزف قلبي، بل يستنزف أيّامي ومشاعري، هل ينضب الحب يوما؟ أم يكبر معنا بمرور الأيّام أم يتحجّر كجذوع النّخل؟ تساؤلات كثيرة ِتراودني في جلساتي الدائمة معي، نعم، فأنا مخلصة لي، فلا أملك إلا أنا. مشاعري أمتلكها ولا تمتلكني.." -إن الوحدة العضوية والموضوعية في رواية داروما سر أسرار الروعة فيها ،الوحدة العضوية في تماسك عناصر السرد الروائي رغم تعدد مستوياته ،فلم نشعر بالتحول من أدب الرحلات إلى المشكلات الاجتماعية ،ولا الإغراق في الأسطورية ،ولا ذلك الخيال العلمي ،ولا تلك الرومانسية ،والوحدة الموضوعية إنسانية موضوع الرواية : التفرد والإصرار ،والقدرة على النجاح والتغلب على الصعاب ،والاكتفاء بالذات . -والسؤال الملح في ختام هذه القراءة السريعة ،من منا ينهارمع الصدمة الأولى ،ومن يصمد رغم الصدمات وإن تعددت ولا يمكنها من أن تتغلب عليه ،من يستطيع أن يكون مثل سوسن جبل صبر وإرادة ؟! -عبر التاريخ هناك نماذج بشرية نادرة ملهمة تعلمنا منها الصبر والصمود وقوة الإرادة ، وهاهي داروما تمنحنا مثالا ملهما بروعته وإنسانيته وطيبته وإيمانه وقدرته على اسعاد الآخرين في أشد حالات البؤس التي يمر بها ، كما نجح السرد الروائي في جعل الخيال العلمي واقعا من خلال واقع إبداعي ملهم: (داروما) . نسأل الله دوام التوفيق للكاتبة المبدعة ،وأن نقرأ لها الجديد القيم المفيد قريبا إن شاء الله \م
عطيات
أُضيفت في: 23 يونيو (حزيران) 2019 الموافق 19 شوال 1440
منذ: 3 شهور, 23 أيام, 22 ساعات, 25 دقائق, 59 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

44181