نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

حسين قدري هروب إلى الفضاء

حسين قدري هروب إلى الفضاء
2019-06-13 19:24:10

بقلم: صلاح معاطي.

في أحد أيام صيف عام 1998 طلب مني الصديق العزيز الكاتب الراحل نهاد شريف رائد أدب الخيال العلمي اصطحابه إلى صالون أحد الأصدقاء.. فذهبت معه وكثيرا ما كان يدعوني نهاد شريف إلى دعوات كهذه.. فذهبت معه بحكم العادة.. المكان.. العمارة الكبيرة على يمين ميدان رمسيس في الطابق الأخير.. نقلنا إلى شقته المصعد البطيء، الذي توقف بنا عند الطابق العاشر ثم صعدنا طابقا على قدمينا وكأنها خريطة مرسومة، قبل أن ندق الجرس واجهتنا عبارة على الباب توقفت عندها بشيء من الابتسام "إذا لم تكن على موعد فأرجو ألا ترن الجرس هناك اختراع جديد اسمه التليفون أرجو استخدامه.. التوقيع: حسين قدري.. صحفي" ضحكنا ورننا الجرس باطمئنان فنحن لدينا موعد، فتح وهو يرحب بنا من الداخل بصوته الدافئ كأنه يعلم من بالباب: - أهلا يا بيك.. استقبلتنا ابتسامته الواسعة المرحبة ومعه صفير أرنب لعبة يرحب بالقادمين ثم قادنا ليقدمنا إلى مجموعة أصدقائه.. للوهلة الأولى شعرت أننا دخلنا في أثير كوكب يقع في أطراف المجموعة الشمسية، أو ربما قمر يدور حول الأرض يضج بالحياة والروح.. تأكد لنا ذلك بمجرد خروجنا إلى الشرفة الواسعة التي تطل على ميدان رمسيس فإذا بها تكشف مصر كلها.. وراح يحدثنا عن تاريخ هذه الشرفة والميدان الذي شاهد منه خروج الناس الرافضين للنكسة وجنازة عبد الناصر وما تلاها من أحداث تاريخية رصدها من أعلى وكأنه الشاهد الوحيد على نبض الجماهير ومشاعرهم كما كان المعبر بقلمه عن روح العصر عبر أجيال متتالية.. هكذا كان حسين قدري كاتبا مختلفا عن أبناء جيله كما كان مختلفا عن كل الموجودين حتى صالونه مختلفا عن كل الصالونات التي اعتدت حضورها.. ليس صالونا ثقافيا بالمعنى الصحيح وإنما ملتقى جمع الأحبة والأصدقاء موعده الخميس من كل أسبوع على مدى عدة عقود لا يخلفه إلا إذا كان مسافرا إلى لندن أو أمريكا.. ألم أقل لكم إنه شخصية مختلفة حاولت تصنيفه من حيث الجنسية إذا تحدث تجده مصريا صميما يعشق تراب هذا البلد ومنتميا إليه حتى النخاع، لكن مصريته موزعة بين القاهرة والإسكندرية فيقضي في كل منهما نصف أسبوع بالكمال والتمام، حسب ما تسمح به مواعيد القطارات ليضعنا في حيرة ما بعدها حيرة، فهل هو القاهري الذي نشأ وترعرع في حي السيدة زينب الشهير بعبقه وطقوسه وناسه الذين خرج منهم كبار الكتاب وعلى رأسهم يحيى حقي، ثم سكنه في ميدان رمسيس القريب من محطة باب الحديد والمطل على كوبري أكتوبر الشهير بطوله الممتد من المتحف الزراعي إلى الأوتوستوراد، أم هو السكندري العاشق للبحر المتيم ببنات بحري وسحر الساحل وأيوووووووه يا أبو أحمد.. أم هو اللندني الحاصل على الجنسية البريطانية، فقد ذهب إليها سائحا ليبقى فيها أسبوعا واحدا لكن رحلة الأسبوع الواحد طالت لتصبح أكثر من ثلاثين عاما ليتصدر حسين قدري كتاب أدب الرحلات ليس في مصر وحدها وإنما في العالم أجمع، لكن الرحالة اللحوح لا يكتفي بلندن بل يدور حولها ليكتشف مدنا أخرى يكتب عنها. أم هو الأمريكي الذي ذهب إليها مراسلا للإذاعة المصرية في واشنطن.. ليصبح حسين قدري هو الإنسان الذي يصبح من الصعب تحديده في جنسية أو لون أدبي أو اتجاه سياسي، هو الباحث عن الحقيقة وعن الجمال بكل صوره وأشكاله.. حتى عند تصنيفه مهنيا تحار أيضا، فهل هو المهندس أم الصحفي أم الإذاعي. وفي هذا يقول لو كنت استمررت في العمل بالهندسة لحصلت على جائزة الدولة التقديرية كأخيب مهندس في مصر ويمكن في العالم. وعن طفولته وخاصة في المرحلة الثانوية يكتب: درس لي عددا من المدرسين أصبح معظمهم نجوما فيما بعد نور الدمرداش درس له اللغة الإنجليزية، وعلي أحمد باكثير درس له اللغة العربية، ونظيم شعراوي كان مدرس التربية الرياضية، ودرس له التاريخ أشهر أساتذة الصحافة أحمد حسين الصاوي.. من هنا عرفت حسين قدري وتعرفت على صحبته وأصبحت واحدا منهم.. لكنني تعرفت في بيته على أشخاص ربما لم ألتق بهم وجها لوجه.. فيحدثنا عن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر والسادات وسعاد حسني وصلاح جاهين وعبد الله أحمد عبد الله "ميكي ماوس" وغيرهم كثيرون لكنه يتوقف عند شخصية ويحدثني بكل جدية حتى أكاد أصدقه: - سألت عنك عند زيارتي لها المرة الأخيرة وقلت لها سأحضره معي ونأتي لزيارتك. فأسأله بتلقائية: من تكون؟ فيرد دون أن تزايله نبرة الجدية: الملكة إليزابيث.. هذا هو حسين قدري.. الذي عرفته قبل أن ألتقي به بخمسة عشر عاما تقريبا من خلال روايته "هروب إلى الفضاء" وكان مصنفا لدي ككاتب خيال علمي وكانت الرواية الوحيدة له في مكتبتي وعندما دخلت عالمه اكتشفت إبداعات أخرى أكثر جاذبية..

أُضيفت في: 13 يونيو (حزيران) 2019 الموافق 9 شوال 1440
منذ: 11 أيام, 8 ساعات, 11 دقائق, 4 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

43927