نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

قراءة في رواية ”داروما” للكاتبة د.عطيات أبو العينين 

قراءة في رواية ”داروما” للكاتبة د.عطيات أبو العينين 
د.عطيات أبو العينين 
2019-04-23 08:22:08

قراءة في رواية "داروما" للكاتبة د.عطيات أبو العينين 


بقلم الناقد ا.د محمد علي سلامة.

 أدب الخيال العلمي فن صعب وعميق، وموضع اختبار دقيق لقدرة السارد، فقد يظنه من يخوض فيه هينا، باعتبار أنه يهمه إبراز الفكرة العلمية أو الطموح العلمي الذي يطمح إليه، ويكون السرد مجرد بيان لهذا الطموح وهذه الرؤية التي يطلق عليها الخيال العلمي، ولذلك فغن الذي يفعل هذا هو مجرد كاتب يطرح فكرة، ومن هنا تأتي صعوبة الخوض في هذا المجال وبخاصة عندما يزعم صاحبنا هذا أنه يكتب أدبا من الخيال العلمين ولعل المصطلح الذي استقر في ثقافة العالم كله"الخيال العلمي" وهو لم يطلق اعتباطا، بل صيغ المصطلح بدقة ليجمع بين فرعين متناقضين،حيث الأول ينتج أدبا، شعرا أو نثرا والثاني ينتج علما قائما على التجريب والممارسات النظرية والتطبيقية، الأول يحلق في آفاق الكون ليمتع صاحبه والثاني ينحصر في دراسة بكل تفاصيلها الدقيقة، ومن ثم فغن الجمع بينهما يحتاج إلى تمكن شديد ليحقق المتعة والدقة، بين تحليق الخيال وبين التدقيق الشديد في الظواهر العلمية، ولا بد اظن يهيمن الأول، لأنه مطالب بأن يقدم لنا الجرعة العلمية في ثوب ممتع جذاب، حتى يخفف جفاف العلم وصعوبته.
كانت هذه المقدمة ضرورية للدخول إلى عالم "داروما" الذي قدمته لنا عطيات أبو العينين في ثوب جميل رقراق يغري بالدخول إلى عالم العلم بطريقة ساحرة وآخذة، فتتجلى فيه بلاغة الرد، وحرارة العاطفة، وهيمنة رومانسية غائبة عن عالمنا المعاصر المتردي في ماديات تافهة تشبع الغرائز لكنها تضيع العقل والقلب والروح معا.
استطاعت عطيات أبو العينين أن تأسرنا من أول كلمة في الرواية من الإهداء غلى الختام، وخلال هذه الرحلة قدمت لنا الطموح العلمي والرؤية الفكرية، فجاءت طبيعية ومندمجة مع الأحداث فنتابعها بشغف ونحن مستمتعون بجمال السرد وجاذبيته، وتتجلى بلاغة السرد من الإهداء:
إلى داروما زنبقة الخيال وعروس الإرادة
الكل يعرف أن الزنبقة وردة بيضاء تشير إلى نقاء القلب وطهارة البدن والروح معا، وكل هذه الأوصاف هي من صنع الخيال أولا، ثم ترسخت عقيدة في ثقافة الشعوب كلها وليس العرب وحدهم، من هنا جاءت الإشارة التالية أننا سنعيش في رحاب خيال بديع بالرغم من حدوثه على أرض الواقع.
وتكمل الكاتبة المبدعة العبارة بقولها "وعروس الإرادة" لتكثف داخلنا الإحساس بالبهجة التي ننتظرها من قراءة الرواية. فليلة العرس هي ليلة العمر تختفي فيها كل الأحزان كل الأشجان، وتترعرع كل الطموحات بحياة مكتملة يحقق فيها الإنسان ذاته، بل ويحقق الهدف المنشود من وجوده على ظهر هذه الأرض بإعمارها واستمرارية الحياة عليها وتواصلها جيلا بعد جيل. ولتحقيق كل ذلك لابد من إرادة قوية لتنفيذ هذه الأحلام، والتغلب على ما يواجهها من صعوبات الحياة التي لابد أن نصادفها، فيشتاق القارئ إلى متابعة العمل الأدبي، لعله يجد فيه ما يعينه على تجاوز ما يلاقيه في الحياة من عنت وشقاء. 
ونفتح الرواية ومن أول فقرة فيها تقدم لنا عطيات أبو العينين نفسها باعتبارها أديبة وليست حكاءة قصة أو قصص، أي تعلن أن سردها يتمتع بالأدبية التي أفنى "تودورف" جزءا كبيرا من حياته في الدعوة إليها والبحث عنها في ثنايا الأعمال ا؟لأدبية لتحقق بها أدبيتها فتصوغ سردها في ثوب بلاغي بديع، ففي أول فقرة في الفصل الأول المعنون "بالفراولة الحمراء" تقول: "كفراولة حمراء غضة، أطبقت على حبه، احتويته خوفا من ذبوله، فأزهر قلبا يانعا، تستعرّ فيه نيران رغبة متأجّجة، وانصهر الحبّ في بوتقة الحنان مانحا إيّاي قلبا متوهّجا موشّى بالحبّ مزركشا بالإخلاص."
ولعل القارئ المدقق يستشعر ما في هذه الفقرة من جمال يحتاج تفصيله إلى صفحات لا تتحملها هذه القراءة الكاشفة، فكل جملة في الفقرة تحمل بيانا أو ما يعرف في علم البلاغة بصورة بيانية، ولنأخذ واحدة منها فقط:
" احتويته خوفا من ذبوله، فأزهر قلبا يانعا"، فالاحتواء بمثابة ماء الحياة الذي يمنع الأشياء، نباتات وحيوانات وآدميين من الذبول ويمنحها الحياة، ثم يكثف المثال في النبات المزهر، ثم الإزهار ويبعث السرور في القلب فينعشه ويصبح يانعا نابضا بالحياة.
وتختتم الراوية بهذه الفقرة " كأني بعطرك أتنسم الحب، مع كل نفس من أنفاسي، ومع كل  نبضة حب، ومع كل شهيق قبلة أخفيها، تترقب شفاهك العذبة حتى تلثمها عيوني، مع كل زفير أطرد إحساسا بالكره خطر على قلبي، أو مر على خاطري، طهّرتني من الآثام ومن الضغائن يا عمري،  وبين كل همسة ونظرة لك ضمة أخفيها. وبين كل نظرة وارتخاءة رمش تولد ألف قصيدة حب نسجت في عشقك أنت وحدك."
إنها لغة الشعر تتحدث، وهذا لا يحدث إلا من أديب متمكن يعرف كيف يمزج بين الأنواع الأدبية، فهذه اللغة الشعرية التي تحقق أدبية الأدب كما قدمت في البداية تتجلى في الأعمال القصصية القصيرة بإتقان. وهكذا تتداخل الأنواع الأدبية عبر بلاغة السرد.
وبالطبع يسري هذا في مواضع كثيرة من الرواية، وهو وحده أي بلاغة السرد، يحتاج إلى دراسة تفصيلية وحده، قد تخرج في ضعف هذه الإطلالة النقدية مرات.
تنسج الكاتبة خيوط روايتها حول سوسن التي أسماها بائع الدمى الياباني "العم توشيرو" "يوري"، وتدون رحلتها من مصر إلى اليابان ثم غلى بقاع أخرى من العالم لتشير إلى أن قصتها شديدة الإنسانية، فهي ليست حكاية خاصة بفتاة مصرية، وإنما يمكن أن نصادفها لبنات مثلها في كل بلاد العالم، ومن ثم تضفي على بطلتها أو شخصيتها المحورية طبيعة إنسانية عامة، فهذه الفتاة الجميلة التي ولدت لأب يعمل بالتجارة وله بنتان، سوسن وهي الكبرى، قد عشقت اللون الحمر الذي يجمع ما بين الرومانسية والدموية في آن واحد، ومن ثم جاءت شخصيتها متمردة بعكس أختها "ميرهان" حتى أنهم أطلقوا على سوسن في البيت "الفراشة الحالمة" أو الفراشة المحلقة، وعندما تذهب إلى اليابان لتعيش هناك بعض الوقت من عمرها بسبب طبيعة عمل أبيها تعشق الدمية اليابانية الجميلة "داروما" وهي في الأصل عاشقة للعب والدمى، فقد صنعت لنفسها في مصر عروسة شكلتها حسب مزاجها ولونتها بألوان تعشقها، وكان اللون الأحمر غالبا على جميع الألوان، لكنها حينما ترى داروما تتعلق بها تعلقا شديدا، ويزداد هذا التعلق حينما يخبرها "تشيرو" ("إذا سقطت داروما "سبع مرات فإنها تقف ثمان") ولعل ذلك يشير إلى توافق بين طبيعتها وطبيعة الدمية.     
تعشق الساردة داروما لدرجة التوحد معها وتصبح أيقونتها، لدرجة أنها تصدق بعد عدة أحداث أنها تجلب لها الحظ، وإن كانت تدرك أن تحقيق الأحلام لا يكون إلا بالإرادة والعمل. تعبر عن ذلك الساردة في حوار جميل في الفصل الرابع وبالتحديد في صفحتي 15، و16. والجميل في الأمر أن الكاتبة تسرد هذا في ثوب قشيب وأسلوب رومانسي جميل، ولمن يريد المتابعة فليقرأ الفصول الخامس والسادس والسابع ليرى مدى إبداعها وأسلوبها، إنها تعيدنا إلى الزمن الجميل الذي نفتقده بشدة هذه الأيام.
وتواصل الفتاة رحلتها، وتلتحق بكلية الطب وتنشأ بينها وبين زميل لها "مصري يقيم في اليابان" ولكنه لا يكون على نفس طبيعتها، فهي بالرغم من تمردها تبدو شخصية قوية وصادقة في مشاعرها، أما هو فعند أول اختبار حقيقي بعد إصابتها في رحلة سفاري تركها ورحل، فقد أصيبت في حادث سيارة كان هو القائد، ولما علم بالنتيجة الطبية وأنها قد تمضي بقية حياتها على كرسي متحرك هجرها ومضى في حال سبيله تاركا إياها تصارع الهوال الطبية والنفسية، والغريب أن الساردة اختارت له اسم "حاتم كمال" فلا هو حاتم ولا هو كمال.
تخرج الفتاة من المستشفى وتعود إلى البيت وتصر على مواصلة دراستها بكلية الطب متجاوزة كل العوائق، وقد أوقعت الأقدار في طريقها د. أمجد الطحاوي، وهو طبيب مصري يعمل هناك في المستشفى وأستاذ في كلية الطب بطوكيو، وقد وقف إلى جوارها حتى نهاية الرواية.
في ثنايا هذه الرحلة المليئة بالأحداث الإنسانية تأتي فكرة الخيال العلمي المتملة في داروما التي تحولت من دمية يعرضها البائع الياباني إلى أداة تحقق السعادة والشفاء لمريضة مقعدة عن الحركة، وربما هنا تأتي فكرة الروبوت، وكأني بالكاتبة تريد أن تقول لنا: لماذا لا نحول اللعب التي نلعب بها من مجرد عروسة نستمتع بها وبشكلها الجميل إلى أداة متحركة إنسانية تشعر بمشاعر من يستخدمها وتشاركه أفكاره، إنه طموح علمي كبير ولكن أين تفاصيله؟
تشرح لنا الساردة الفكرة على لسان د. أمجد الطحاوي الذي عوضها عن فقدان حبيبها حاتم كمال ووقف بجوارها بعد ما ألحت عليه لمعرفة السر في حركتها، بعد أن أمضت سنة ونصف محبوسة داخل ذلك القفص من الجبس الذي اضطرت إليه بعد خطأ طبي شنيع، حيث كانوا يستعدون لإجراء جراحة أخرى لإزالة ما بقي من آثار الحادث الذي وقع لها في اليابان، ولأن الدكتور أمجد أستاذ وباحث متمكن في الطب، وكان يجري وراء أبحاثه ليحقق إنجازا علميا في موضوع شلل الأطفال وتوصل لجهاز إليكتروني يوضع في مكان قريب من المريض ليطلق ذبذباته وإشاراته في مقابل جهاز آخر يغرس في جسم المريض ليحرك العضلات التالفة، وهي مرحلة مؤقتة حتى تتم تجربة الخلايا الجينية التي يسعون لتخليقها وتجربتها لتعوض الخلايا التالفة في العضلات، ذلك لأن الخلايا الجينية تتكاثر بسرعة وبشكل لا نهائي، وتستطيع أن تولد كل الأنماط الخلوية في الجسم، فهي متعددة القدرات في حين تكون الخلايا الجذعية البالغة والتي تعتبر من خلايا المريض نفسه لها مشاكل كثيرة، كما أنها تكون محدودة التمايز خاصة بالنسبة للنسيج أو العضو الذي تم الحصول عليه منها (ص66 من الرواية).
كل هذا الحديث العلمي الجميل لم يستغرق أكثر من فصل أخير في الرواية، وليس هذا تقليلا من شأن الموضوع العلمي المطروح، ولا من كيفية طرحه، وإنما يتجلى في إبداع الساردة التي ساقته في قالب مبدع باعتباره جزءا من الحدث الروائي الجميل الذي تسرده لتمتعنا ويتشربه القارئ بل يظل عالقا في ذهنه منتظرا النتائج العلمية التي ستحقق من خلال التجارب العلمية التي تجري في هذا الشأن.
لم يأت تحقيق ذلك اعتباطا، فقد استخدمت الكاتبة كل طاقتها الإبداعية، من لغة وتعبير وحبكة وحدث في أسلوب روائي جميل، وقد ساعدها على ذلك اتخاذها موقع السارد المشارك وليس المهيمن أو المراقب، بتعبيرات "جيرار جينت"، فقد اقتنعت وأنا أقرأ الرواية أنها رواية جرت أحداثها على أرض الواقع، ولولا الحادث الذي وقع لسوسن وظروفها الطبية النتدنية لدخل روعي أنها تجربة خاصة بالمبدعة، ولكن بالتأكيد هي لها صلة بها، فربما أمضت فترة من حياتها في اليابان وسمعت بالحكاية من صديق أو صديقة، والتقطتها وصاغتها في هذا الإطار السردي الجميل.
ويدعم هذا ما ورد في الرواية من وصف لمواقع في اليابان لابد أن الساردة زارتها وخبرتها مثل أيام الثلج، وكذلك بعض المواقع الصينية التي تعبر عن رؤية مشاهدة لها، وربما كان هذا بحكم عملها باعتبارها إعلامية متميزة أي بحكم وظيفتها، ووصفها للأماكن بدقة توحي بالمشاهدة رأي العين، ثم الحديث عن بعض الثقافات اليابانية والصينية.
وهنا نأتي إلى نقطة مهمة نتيجة هذه المشاركة، وتتجلى في قدرة السارد على تحويل الواقعإلى متخيل سردي وبالعكس تحويل المتخيل إلى واقع فيما يعرف في نقد السرد بجدل الواقعي والمتخيل. إن السرد ينطلق من واقع، فكل كاتب ينطلق من حدث أو قصة مرت عليه بواقعه ولكنه بقدراته الإبداعية يحوله إلى سرد يحمل فكرة ورؤية له يصوغه صياغة روائية أو قصصية، تمتع القارئ وتعايشه معه في الحدث وفي الرؤية، وكأنه يعايش واقعه ويحمل السرد أداة توصيل أو تواصل بين المبدع والقارئ. 
هذه هي القضية التي لا ينتبه إليها كثير ممن يعاقرون في القصة اليوم، أو يدعون انتماءهم لفن السرد، فالحكاية ليست حكي قصة معينة، بل تحتاج إلى جهد كبير من إتقان لغة أو دراية كبيرة بأصول الفن الذي يحاول الانتماء إليه، وقد أجادت المبدعة بالرغم من أنها تسعى إلى بث فكرة علمية تنتمي إلى الخيال العلمي، أي إنه إنجاز لم يتحقق بل طموح تسعى إليه البشرية للتغلب على مشاكل صحية تعترض طريق الإنسان في استمتاعه بحياته.
وهنا اللغة ثرية وقد حرصت الكاتبة على صحتها وسلامتها وجمالها، فلم أعثر أو أقابل الأخطاء اللغوية التي تزخر بها الأعمال التي تعرض عليها، وهذا ما يجعل من رواية "داروما" تحفة إبداعية، بعدما كتبته الآن مجرد إطلالة سريعة وقد يساعدني الوقت لإعداد دراسة حول لغة الرواية وتقنيات السرد فيها، أرجو ذلك.              

 

أُضيفت في: 23 أبريل (نيسان) 2019 الموافق 17 شعبان 1440
منذ: 2 شهور, 1 يوم, 19 ساعات, 6 دقائق, 35 ثانية
57125813_1966747830121349_7796617195710054400_n - Copy.jpg 58443186_802722266751747_3224674244839342080_n.jpg
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية الثقافة المسرح ورشة أسوان

التعليقات

41328