نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

فصول من سيرة محمد جراح الذاتية

فصول من سيرة محمد جراح الذاتية
محمد جراح
2019-03-12 19:48:11

بقلم : محمد جراح.

عندما ظهرت نتيجة الثانوية العامة كنا في عام 1978م، وكانت المدرسة هي مدرسة بلدتنا منشاة القناطر الثانوية المشتركة؛ وكان يومها يوم خميس؛ ذهبت إلى المدرسة لأعرف درجاتي لأنه لم يكن هناك شك في مسألة النجاح؛ طال وقوفنا في انتظار وصول مندوب المدرسة بالنتيجة ووسط هذا الملل والترقب إذ بصديقي حمدي عزام يطلب مني أن نذهب سوياً إلى القناطر الخيرية بدراجتي الرالي التي كان أخي سعيد قد أهداها لي قبل ذلك بأكثر من عام، كان صديقي يريد الاطمئنان على نتيجة طالبة يعرفها هناك ولم أهتم هل هي حبيبته أم قريبته؛ غلبني حيائي فوافقته مضطراً على الرغم من تلهفي على نتيجتي؛ غبنا هناك بعض الوقت وعندما عدنا فوجئت بزملاء ومعارف يجرون باتجاهي ليهنئونني بالنجاح وبأنني الأول، كان همي هو معرفة درجاتي ولما عرفتها وجمت وحزنت فلم تكن الدرجات تليق أبداً بأول على الفصل، وتبادر في التو سؤالي عن درجات زميلة لي في الفصل كان معروفاً عنها تفوقها ولما عرفت درجاتها علمت انها هي صاحبة المركز الول وكنت أنا الثاني في الترتيب ليس فقط على المدرسة ولكن أيضاً على مستوى إدارتي أوسيم والقناطر الخيرية ولذلك قصة؛ فقد كانت بلدتنا في الأصل تتبع محافظة الجيزة؛ وحدث زمن عبد الناصر أن تم نقل تبعية البلدة من محافظة الجيزة إلى محافظة القليوبية من أجل توحيد الحراسة على استراحة رئاسة الجمهورية الكائنة بمنطقة حدائق القناطر وكانت هذه المنطقة تتبع محافظة المنوفية والقناطر تتبع محافظة القليوبية؛ فتم ضم تبعية منطقة الحدائق وكذا بلدتنا إلى زمام محافظة القليوبية وصارت بلدتنا قرية تابعة لمركز القناطر الخيرية وتغير اسمها من المناشي إلى منشأة القناطر؛ وظلت على هذا الحال وتلك التبعية حتى عام 1976م عندما طلب الأهالي من الرئيس السادات الذي كان شبه مقيم طوال العام باستراحة القناطر ويصلي معنا الجمعة كل أسبوع إعادة تبعية البلدة مرة أخرى إلى الجيزة فوافق سيادته؛ وكان من جراء هذا القرار أن تم نقل المدرسة الثانوية التابعة للقناطر من بلدتنا وقامت الجيزة بافتتاح مدرسة بديلة في ذات الأبنية هي مدرستنا التي قمت بالانتقال إلى الدراسة بها في النصف الثاني من الصف الثاني الثانوي؛ كانت المدرسة فقيرة في كل شيء واستوى فيها أمر البحث عن تلاميذ للدراسة ومدرسين للتدريس.
كان الفارق بين النسبة المئوية بين درجاتي ودرجات زميلتي تزيد على ستة في المائة؛ وكان عدد فصلنا ثمانية عشر طالباً وطالبة نجح منهم تسعة ورسب تسعة أي أن النسبة كانت خمسين في المائة.
وضعتني درجاتي في مأزق وحيرة إذ أن مجموع درجاتي مضافاً إليه مجموع درجات مادتي المستوى الرفيع لا يتيح لي الإلتحاق بأي من كليتي القمة بالنسبة للقسم الأدبي وهما كليتا الاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام؛ استبعدت فكرة أن أعيد السنة لتحسين المجموع ففكرت في اختيار دراسة الحقوق على أمل أن أكون وكيلاً للنيابة لكن صديقي عبده الشريف استطاع أن يجعلني أغير رأيي إذ اقنعني بأنني إن لم أعين في النيابة فلن يناسبني العمل كمحام بإمكانياتي الخلقية التي يراها !؛ ولما كان الأدب هو شاغلي فقد فكرت في الالتحاق بكلية دار العلوم؛ لكنني ومن تلقاء نفسي عدلت عن الفكرة حتى لا ينتهي بي الأمر بعد التخرج إلى العمل في التدريس الذي أفتقد مهاراته؛ وكانت الكليات العسكرية لا تستهويني وكنت مشبعاً وقتها بما كتبه توفيق الحكيم عندما تركه العمل في النيابة من أجل التفرغ للكتابة والإبداع؛ وكنت أرى نفسي وقتها شاعراً حتى وإن كان مجموع ما كتبته لا يؤهلني لتقمص شخصية هذا الشاعر الذي يسكنني!.
لم يكن متاحاً وقتها لطلاب القسم الأدبي الالتحاق بأي من كليات الجيش على عكس الحادث الآن؛ ودفعتني الأسرة دفعاً لسحب ملف الترشح لاختبارات كلية الشرطة وسرت في مراحل التقديم حتى قبل النهاية بقليل حتى عاد توفيق الحكيم الذي يسكنني ليقنعني بعدم التكملة فقمت بسحب ملفي من الكلية وسط اندهاش مساعد الشرطة الذي حاول عبثاً أن يثنيني عن قراري الغريب والأرعن ونصيحته بأن أعود وأفكر في الأمر جيداً لكنني كنت مصراً وكان هو مندهشاً ومتعجباً من قراري وهو يقول لي إنك قد اجتزت كل الاختبارات ولا يتبقى لك إلا كشف الهيئة لكن رأسي لم تقنعه أي كلمة ولا رجاء وأنا أصر على سحب الملف.
ربما أنني بنيت قراري ذلك على ما شاهدته في قسم الشرطة من تعنيف ضابط لأحد الجنود لأفاجأ بعدها بقليل بضابط كبير يعنف ذلك الضابط الصغير؛ فأيقنت أن حياتي لو كتب لي التكملة في كلية الشرطة سوف تصبح مجموعة من الأوامر والانضواء تحت مجموعة اللوائح العسكرية بما لا يوافق روحي الثائرة ولا هوايتي التي أعول عليها في المستقبل بأنني ساكون واحداً من الشعراء والكتاب حتى ولو لم أكن قد التحقت بأي كلية تدرس اللغة العربية التي نجحت منفرداً في مادة المستوى الرفيع الخاص بها دوناً عن كل زملائي الذين اختاروها.
علمت الأسرة بجريمة سحبي للملف، وجن جنون أخي الأكبر علي فدفعني لشراء ملف جديد بل وأخذني في زيارة لضابط كبير ونزلنا ضيوفاً على العشاء في بيته ليكون واسطتنا كان الضابط ودوداً وكان الموضوع سهلاً لكنني كنت رافضاً رفضاً باتاً أن أكون ضابط شرطة فلا أنا أحسن السب والشتم بل ومن المؤكد أنني سأفكر ألف مرة قبل أن تمتد يدي لتصفع متهماً لاعتبارات السن أو غيرها فلم أتقدم بالملف الجديد على الإطلاق؛ انتهى كل ذلك ولم يتبق لي من ذكرياتي مع كلية الشرطة إلا معاناتي في الحصول على عينة البول، ففي المرتين الأولى والثانية فشلت في التبول أمام أحد في الحمامات التي كان يحرسها الجنود وفي المرة الثالثة حملت بولي في أنبوب وفي الحمام وبينما أقوم بوضعه في الأنبوب الذي كان يسلم لنا ضبطني الجندي الحارس وعبثاً حاولت اقناعه فلم يقتنع بل وقام ساعتها بإبلاغ الأمر لأحد السادة الضباط الذي تعجب من فعلتي وتساءل كيف يخجل شاب فلا يستطيع التبول أمام أحد؟؛ أخبرته بأن حيائي يمنعني من تنفيذ تلك الفعلة؛ فنفذ اقتراحي بأن جعل الجندي يأخذني إلى أحد المكاتب الخالية لأخذ عينة البول بعيداً عن التبول العلني؛ واستطعت بتلك الحيلة أن اتم مرحلة التبول اللعين.
ولما كان الأدب هو شاغلي وهدفي في تلك السن فقد صرت مشتتاً بين ما أريده والواقع الذي أعيشه؛ فهل يصدق أحد انني كنت أكتب الشعر وأواظب على حضور الأمسيات والندوات والمشاركة في فعالياتها؟!؛ وقد قادتني هوايتي إلى صداقة ابن بلدي الاستاذ محمود مرسي والذي كان وقتها طالباً بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة عين شمس وتأخر تخرجه لعدة أعوام بسبب الشعر والفلسفة والثقافة الرفيعة، والوطنية الزائدة؛ كان من أصدقائه السياسي حمدين صباحي والشاعر جمال القصاص والشاعر عبد الرحمن الأبنودي والشاعر مجاهد عبد المنعم مجاهد والشاعر محمد إبراهيم أبو سنة والمخرجة عطيات الأبنودي وشاعرالعامية فؤاد حجاج وغيرهم كنت أذهب معه إلى أمسيات في القاهرة وفي بنها وكفر الشيخ وطنطا وغيرها ؛ وفي إحدى الأمسيات المقامة بقصر ثقافة بنها وبعد أن ألقيت قصيدتي تحدث معي الأديب الراحل فؤاد قنديل وكان وقتها هو المسئول عن الأمسيات وانشطة نادي الأدب هناك؛ قال لي باشاً وبمودة زائدة : يا محمد أنت تمتلك لغة سردية جميلة فلماذا لا تجرب نفسك في كتابة القصة؟!؛ كان الاقتراح مباغتاً وربما وقتها غضبت في نفسي أن يقول لي ذلك الأستاذ فؤاد قنديل؛ وتساءلت هل رأى في نصوصي الشعرية ما يجعلها دون لغة الشعر؟ انشغلت بالأمر لفترة وبعدها وجدت بالفعل ما اشار إليه الأستاذ فؤاد قنديل فاتجهت لكتابة القصة.

أُضيفت في: 12 مارس (آذار) 2019 الموافق 5 رجب 1440
منذ: 2 شهور, 14 أيام, 20 ساعات, 16 دقائق, 9 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية مقال السياسة حقائق

التعليقات

38695