نائب رئيس مجلس الإدارة:محمد عزبرئيس التحريرجودة لطفي
رئيس مجلس الإدارةنادية أمين

”صخب الحياة”

”صخب الحياة”
2019-02-06 18:06:04



بقلم/ سميرة داود

ومازال عزف الحوار مستمرا .. حدثت الكنبة الخشبية البرونزية صديقتها الجالسة على حافة مسندها واسمعتها لحنا من كلمات متمردة .

الكنبة الخشبية ....
دعينا صديقتي نتنفس ..نتنزه قليلا.. نشتم رائحة الزهور وعطر الياسمين..نتوحد مع الشخوص والأماكن..نطرق أبواب الحياة..نتلمس صخبها وضجيجها.. ألوان طيفها.. تختبر قدراتنا على الصمود أو اللاصمود .

الجالسة على الكنبة....
حسنا تعالى معي.. ساريك بعض مقتطفات من إيقاع حياتنا الصاخبة..راجية الله العلى القدير أن يمنحك قدرا من الصمود والصبر.. وإن كان الشك يساورني.. فهيا بنا . ركبتا الصديقتان العربة وعبرتا نهر الطريق في تؤدة وحذر.. الشارع يئن ألما من عجلات سيارات كثيفة..تعلو ابواقها رويدا رويدا..تتلوث اذناك باصوات صاخبة صارخة.." كأنها عربات ملاهي في سيرك كبير"..واناس يمشون بخطى عشوائية.. وآخرون يركضون هنا وهناك . تراقب الكنبة من نافذتها الطريق بنظرات مشدوهة.. "وكأنها آتية من كوكب آخر".. تلتقط عيناها سيدة تحمل بين يديها رضيعا في وقت الظهيرة بشمسها الحارقة تتلفت هنا وهناك.. يقينا ليس بطفلها..وهل تقذف أم بقلبها وفلذة كبدها على رصيف اسمنتى حارق!! . وتتوالى نظرات الأسى والاستهجان.. وإذ بسيارة راقصة تعبر الطريق برقصات استعراضية ملتوية.. جامحة مغرورة تصدم سيارة أخرى.." إنه سباق الراقصين في حرم الطريق".. يبدأ الشجار بين صاحبى السيارتين.. تعلو نغمات الصراخ والالفاظ الجارحة.. تتوقف السيارات ويغلق الشارع .

الكنبة الخشبية ....
هل نحلم ونحن نيام.. أم نحن في حالة قراءة لسيناريو فيلم مقبض مزعج لوجداننا وحالاتنا النفسية العصبية !! ما الذي يحدث لكم بني البشر ؟ ما هذا الهراء لاوقاتكم الضائعة الفائتة !! .. لقد سجنا في العربة يا صديقتي.. لم اشتم عطر الياسمين.. بل اشتم عطرا ملوثا بعوادم سياراتكم ها ها ها .

صديقة الكتبة....
تلوح براسها تجاه الكنبة وترسم على شفتيها إبتسامة ساخرة ماكرة وتحدثها.. هل نفذ صبرك في بضع دقائق !! لقد دعوت الله أن يمنحك قدرا من الثبات والصمود.. اديري براسك صوب النافذة بضع ثواني..لعلك تستنشقي ما يسمى تضليلا الهواء العليل..اتفقتا الصديقتان أن يهدرا وقت سجنهن المتعمد في عربتهما.. تارة بحديث وحوار بعضهما البعض.. وتارة أخرى بالانصات لجارة القمر فيروز بصوتها الملائكى واغنياتها الحالمة. وفي لحظات الانصات والحوار معا.. تلتفت إحدى الصديقتين صوب نافذتها.. فترى آخر دون أن تدري يرمقها بنظرات فاحصة ماحصة..ولسان حالها يحدثه بعبارة " تفضل معنا أيها الاحمق "..وتلتفت صديقتها الكنبة لثواني من الزمن .. فترقب آخر في عربته جالسا على كرسيه يرقص..يهز كتفيه على طبل موسيقى المهرجانات الصاخبة " كأنه عرس في سراى المجانين ".. وسيدة أخرى حالمة.. تنصت لكلمات اغنية شاعرية تبحر بها في عالم من الخيال اللامتناهي.. لا تنصت لابواق السيارات التي تلاحقها حتى تطلق العنان لسيارتها الساكنة المتوقفة . يعج الشارع بمختلف أنواع من العربات والشخوص بألوان واذواق وأخلاقيات متعددة.. سلبية مستغربة أحيانا.. إيجابية بعض الشئ أحيانا أخرى . وما أن انطلقت السيارات.. هرولت الصديقتين إلى مكان كافيه قريب.. ارتمين على كراسي طاولة تقع في ركن مترام .. بعيدا عن ضجيج وصخب المكان.. يلملمن شتات أنفسهن.. تهدان قليلاً.. وحنين دفين لهذا الفراغ المكانى بسكونه السرمدى اللامتناهي. تناولتا سويا اقداح من قهوة ساخنة وقطعات جاتوه بالشيكولاتة لشحذ ما بقى في اعماقهن من بعض طاقة قد نفذت واستنفذت.. ووقت قد سلب واهدر دون موافقة مسبقة.. على أمل قد يتراءى لهن في الأفق البعيد لحلم التنزه معا وطرق أبواب الحياة ..التوحد مع الشخوص والأماكن.. واشتمام عطر الياسمين والهواء العليل .

 
 
 
 
 
أُضيفت في: 6 فبراير (شباط) 2019 الموافق 30 جمادى أول 1440
منذ: 16 أيام, 11 ساعات, 35 دقائق, 21 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

36773